في دراسة حول اثر المساعدات الدولية على التنمية الاقتصادية في فلسطين
وزارة التخطيط تدعو لوضع سياسات تنموية فاعلة لتحديد الأولويات الفلسطينية
التاريخ : 1/11/2012   الوقت : 11:15


أوصت دراسة حديثة أعدتها وزارة التخطيط  بضرورة وجود سياسات تنموية فاعلة لتحديد الأولويات الفلسطينية، ومن ثم توجيه المساعدات الدولية  إليها بما يخدم الأهداف الوطنية، و التنسيق بين الجهات العديدة المتلقية للمساعدات، وذلك للاستفادة المثلى من هذه المساعدات. 
جاءت هذه التوصية في دراسة أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بوزارة التخطيط حول اثر المساعدات الدولية على التنمية الاقتصادية في فلسطين، خلال العقدين الماضيين وبإتباع المنهج الوصفي التحليلي ، وإلى أي مدى ساهمت هذه المساعدات في عملية التنمية وإلى أي مدى استجابت هذه المساعدات للاحتياجات التنموية الحقيقية.
دراسة هامة
وقال د.مازن الشيخ مدير عام مركز المعلومات بالوزارة بان هذه الدارسة تعتبر من الدراسات الهامة وذلك لخصوصية الموضوع التنموي في فلسطين وكون هذا الموضوع يتأثر به كل مواطن فلسطيني في جميع الجوانب الحياتية ، وأن هذه الدراسة تحاول استقصاء أثر المساعدات الدولية على التنمية الاقتصادية في فلسطين، وذلك من خلال فحص أثرها على النمو في الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط الدخل الفردي الحقيقي، وخاصة بأنه برغم تدفق المساعدات الدولية لفلسطين لمدة تقرب من العقدين والتي بلغت قيمتها حوالي (15) مليار دولار أمريكي إلا أن الأداء الاقتصادي الفلسطيني لا يسير على نحو سوي. فقد ازدادت مستويات الفقر وضعفت معدلات النمو الاقتصادي والمقدرات الاقتصادية للقطاعات الإنتاجية خلال العديد من السنوات
ويوضح الشيخ بان هذه الدراسة تتميز بأنها إضافةً للمنهج الوصفي التحليلي، فإنها استخدمت المنهج الكمي القياسي لتحديد أثر المساعدات الدولية على التنمية الاقتصادية، والذي لم يحدث من قبل للحالة الفلسطينية. وكما أنها تغطي فترة زمنية معتبرة تقارب من العقدين وذلك مقارنة بالدراسات السابقة التي قيمت التجربة الفلسطينية في تلقي المساعدات الدولية في عقدها الأول، وتكشف العلاقة بين المساعدات الخارجية وأهم المؤشرات الاقتصادية، وأهم مصادر المساعدات خلال هذه الفترة، وإلى نمط توزيع المساعدات على القطاعات المختلفة، وكذلك إلى العلاقة بين الدَّين الخارجي والمساعدات الدولية وإلى أهم سمات الأداء الاقتصادي الفلسطيني المواكبة خلال فترة الدراسة.
 
مصادر المساعدات
وأشارت الدراسة إلى أن تدفق المساعدات الخارجية مر بمرحلتين رئيستين الأولى أعقبت اتفاق  أوسلو وكان نمط المساعدات مستقرًا ، وتصدرت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية واليابان الجهات المانحة خلال الفترة 2000-1994، وحيث بلغت قيمة المساعدات (3863) مليون دولار أمريكي، وذلك بغرض تطبيق اتفاقية السلام بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية ، بينما تميزتا الفترة الثانية بالعديد من التقلبات ، بعد الانتكاسة التي شهدتها عملية السلام واندلاع انتفاضة الأقصى وفيها تصدرت الدول العربية والإسلامية الجهات المانحة في الفترة 2011-2001، وبلغت قيمة المساعدات الدولية خلالها (11,116) مليون دولار أمريكي. وعلى نحو مميز خلال الفترة 2011-2006م، وذلك مع فرض الحصار على قطاع غزة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وبعد الانقسام بين الضفة وغزة، وشن الحرب العدوانية على قطاع غزة في أواخر العام 2008 أصبحت أهم الجهات المانحة الدول والمنظمات الاقتصادية العربية، ويليها الاتحاد الأوروبي والمساعدات الأمريكية. وقد تميزت المساعدات الدولية خلال الفترة 2011-2002 بأنها في الغالب إغاثية الطابع، وأقل اهتماما بالجوانب التنموية. وقد تعزز دور المساعدات العربية للسلطة الفلسطينية بعد حدوث الأزمة المالية في 2008، والتي تأثر بها الاتحاد الأوروبي بشكل كبير وتأثرت بها كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. 
وفي أظهرت نتائج الدراسة إلى أن المساعدات الدولية تشكل قدرًا مُعتبرًا من النشاط الاقتصادي ممثلًا بالناتج المحلي الإجمالي. فقد ساهمت بما نسبته في المتوسط 15.8% خلال الفترة 2000-1994، وبما نسبته في المتوسط 20.1% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة 2011-2001. كما وقد ساهمت المساعدات الخارجية في النفقات العامة بما نسبته في المتوسط 64.7% و51.8% في الفترتين 2000-1994، 2011-2001، على التوالي، إضافة إلى ذلك ظهر أن قيمة معامل الارتباط بين الدَّين الخارجي والمساعدات الدولية كانت معتبرة (0.53).
توزيع المساعدات
وبينت الدراسة أن المساعدات الدولية خلال الفترة 2000-1994 توزعت على قطاعات البنية التحتية (الطاقة، الإسكان، الاتصالات، المياه، والصرف)، والقطاع الاجتماعي (الشباب، الأطفال، المحررون، التعليم،الصحة،المرأة)، وبناء المؤسسات (تطوير الديموقراطية، بناء المؤسسات، الشئون القانونية، الشرطة)، وقطاع الإنتاج (الزراعة، التطوير الصناعي، القطاع الخاص، الثقافة)، وذلك بالنسب %33.2، 28.6%، 27.8%، 10.4%، وعلى التوالي.  
بينما توزعت المساعدات خلال الفترة 2006-2002 على كل من دعم الموازنة وبنسبة 64.1%، وعلى المشاريع التطويرية بنسبة 30.9%. وهذا يظهر تغلب الطابع الإغاثي ومواجهة الطوارئ على الطابع التنموي للمساعدات خلال هذه الفترة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أهم البنود الرئيسة في الموازنة تشمل النفقات الجارية التي أبرزها الرواتب والنفقات التشغيلية.
وتوزعت المساعدات الأمريكية الثنائية للسلطة الفلسطينية خلال الفترة 2012-2005، على كل من صندوق التنمية الاقتصادي بنسبة78.5% ، والمساعدات الغذائية بنسبة %18.5، ودعم سيادة القانون 3%. وما يميز هذا التوزيع أن صندوق التنمية الاقتصادي يشمل بطبيعة الحال القطاعات الاجتماعية وبناء المؤسسات. كما وأن نصيبًا كبيرًا من المساعدات يتمثل بالمساعدات الغذائية.
كما تظهر الدراسة الضعف المميز لحصة القطاعات الإنتاجية الرئيسة من المساعدات مقارنة بالقطاعات الأخرى.
 وعلاوة على ذلك فقد أظهر الأداء الاقتصادي الفلسطيني خلال فترة الدراسة والعديد من المؤشرات ومنها مستويات المعيشة معبرًا عنها بالنمو في الدخل الفردي أداء سلبيًا في العديد من الفترات، وذلك لعوامل عدة خارجية وداخلية.
وبشكل رئيس تظهر الدراسة أثرًا إيجابيًا للمعونة على النمو الاقتصادي، ولكن هذا الأثر كان ضئيلًا مقارنة بأثر المعونات في حالة بعض البلدان النامية. وقد وجد أن 36% من التغيرات في النمو الاقتصادي فقط يمكن إرجاعه إلى المعونة الخارجية. كما وجد أن الأثر في مستويات المعيشة كان ضئيلًا جدًا، حيث وجد أن %3 من التغيرات في النمو في الناتج المحلي الإجمالي للفرد فقط يمكن إرجاعه للمعونة الخارجية.
 
نمو بطئ
وأفادت الدراسة بان المساعدات الدولية شكلت قدرًا معتبرًا من النشاط الاقتصادي ممثلًا بالناتج المحلي الإجمالي، فقد ساهمت بما نسبته في المتوسط 15.8% خلال الفترة 2000-1994، وبما نسبته في المتوسط 20.1% من GDP في الفترة 2011-2001.
وساهمت في النفقات العامة بما نسبته في المتوسط %64.7 خلال الفترة 2000-1994، وما نسبته في المتوسط 51.8% في الفترة 2011-2001.
وقد أظهر الأداء الاقتصادي الفلسطيني خلال فترة الدراسة، العديد من المؤشرات، ومنها النمو في الناتج المحلي والنمو في الدخل الفردي ونسبة الفقر ومعدل البطالة وصافي الميزان السلعي وفائض (عجز) الموازنة الجاري ومعدل النمو في الدين العام، أداء سلبيًا في العديد من الفترات. الأمر الذي يعكس حقيقة أن المساعدات الخارجية لم تفلح كثيرًا في تحسين هذا الأداء. ويرجع ذلك لكل من العوامل الخارجية ومن أهمها القيود والإجراءات الإسرائيلية وللعوامل الداخلية وأهمها انعدام السياسات التنموية الفلسطينية الفاعلة، وبشكل مميز تظهر الدراسة أثرًا ايجابيًا للمعونة على النمو الاقتصادي، ولكن هذا الأثر الإيجابي كان ضئيلًا مقارنة بأثر المعونات الخارجية في حالة بعض البلدان النامية. وقد وجد أن 0.36 من التغيرات في النمو الاقتصادي فقط يمكن إرجاعها للمساعدات الدولية. كما وجد أن الأثر في مستويات المعيشة كان ضئيلًا جدًا حيث وجد أن 0.03 من التغيرات في النمو في الناتج المحلي للفرد تُرجع للمساعدات الدولية.
 
الأداء الاقتصادي الفلسطيني
وأظهرت الدراسة أداءً متفاوتًا للمؤشرات الاقتصادية الرئيسة خلال تلك الفترة، حيث ظهر أداءً سلبيًا لمعدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط الناتج المحلي الفردي في منتصف التسعينيات، حيث شهدت هذه الفترة المزيد من القيود على حركة العمالة والتجارة مع إسرائيل، وكذلك السنوات عقب العام 2000.
فالتدهور الاقتصادي في السنوات التي أعقبت اندلاع انتفاضة الأقصى اشتد مع شراسة العدوان الإسرائيلي وأثاره على المقدرات الاقتصادية الفلسطينية. وكذلك المزيد من التقييد على حركة التجارة الخارجية والداخلية سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وعاودت الآثار السلبية بالظهور مرة أخرى في العام 2006. فهذه الفترة أعقبت الحصار على قطاع غزة. كما وأن الإجراءات والقيود الإسرائيلية أثرت أيضًا على اقتصاديات الضفة الغربية قبل وبعد الحصار على قطاع غزة.
وأما الأداء الايجابي في هذه المؤشرات، معدل النمو في الناتج المحلى الإجمالي والدخل المحلي للفرد، في العديد من الفترات، ومنها أواخر التسعينيات في واقع الأمر تعكس تكيف الاقتصاد الفلسطيني مع فترات الانتعاش، والتي تعتمد على الطلب الداخلي، ومن المشروعات والاستثمارات التي أعقبت قيام السلطة، وكذلك من أنشطة المنظمات الأهلية، والمشروعات الخاصة التي قام معظمها في التسعينيات تفاؤلًا بالتحسن في المناخين السياسي والاقتصادي. وكذلك الأمر يظهر التحسن في السنوات 2004-2003 على نحو واضح حيث شهدت الاقتصاديات الفلسطينية تحسنًا في هذين المؤشرين وكذلك في السنوات 2011-2009.
فيما ارتفعت نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية من 27.9 % في عام 2001 إلى 31.2% في العام 2007. وفي واقع الأمر فإن ارتفاع نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية واستمرارها ولفترة تتجاوز العقد تعكس عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني من الخروج من مأزقه الحالي وهو استمرار القيود الخارجية المكبلة وانعدام السياسات الداخلية المحركة.
وكذلك ارتفعت معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية. من 15.1 % في العام 1994 إلى 23.5% في العام 1996، وذلك مع تقييد إسرائيل لعدد العمال الفلسطينيين الداخلين إليها، بينما عادت تلك النسبة وانخفضت مع استيعاب عددًا أكبر من العمالة في وظائف السلطة الفلسطينية خاصة في قطاع غزة. وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000 ارتفعت نسبة البطالة مرة أخرى لتصل إلى 31.3 % في العام 2000، وفي السنوات التالية وحتى 2010 ظلت أكبر من 23.7%. وهذه النسب المرتفعة في الواقع هي أقل من البطالة التي تعاني منها الأراضي الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة. وقد ظلت هذه النسب من البطالة مستمرة لفترة تتجاوز العقد، وذلك لضعف المقدرات الاقتصادية الفلسطينية في استيعاب النمو في العمالة، وانعدام السياسات التنموية الناجحة في حث القطاعات الاقتصادية. وكذلك استمرار القيود الإسرائيلية على كل من التجارة والأنشطة الاقتصادية الفلسطينية. فقد شهدت الفترة العدوان على قطاع غزة وتدمير البني الصناعية فيه، وكذلك التقدم في إنشاء الجدار الفاصل في الضفة الغربية واتساع أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية وتخريب الأراضي الزراعية فيها، وكذلك تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية بالحواجز سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
توصيات
وحذرت دراسة وزارة التخطيط من أن الزيادة في المديونية الخارجية والنمو في معدل الدين العام يشكل خطورة في الوقت الحاضر والمستقبل على الاقتصاد الفلسطيني ، ويؤدى إلى زيادة في  ترسيخ التبعية، وهذا الوضع قد يقود بالأراضي الفلسطينية إلى مشكلة المديونية التي تعاني منها العديد من البلدان النامية.
وأوصت الدراسة  بضرورة وجود تنسيق على مستوى عالي بين القطاع الحكومي والأهلي لمنع الازدواجية والهدر في توجيه هذه المساعدات، حيث أن المساعدات الخارجية المقدمة للسلطة الفلسطينية هي تشكل جزءًا من المساعدات الكلية المقدمة للشعب الفلسطيني ، ويقدم جزء لا بأس به من المساعدات إلى المنظمات الأهلية الغير حكومية.
كما أوصت بضرورة وجود سياسات تنموية فاعلة لتحديد الأولويات الفلسطينية، بهدف توجيه المساعدات الدولية  إليها بما يخدم الأهداف الوطنية ، و التنسيق بين الجهات المختلفة  المتلقية للمساعدات، وذلك للاستفادة المثلى منها.
ودعت الدراسة إلى القيام بدراسات أخرى تعطي تقيمًا أعمق لأثر المساعدات الخارجية على الاقتصاد الفلسطيني ومن هذه الدراسات المقترحة واقع وأثار الاتجاه الجديد في تزايد المساعدات العربية والإسلامية في فلسطين وكذلك القيام بدراسة تعطي استقصاء أكبر للفترة 2012-2006م، حيث تأثر قطاع غزة بظروف حصار مميزة.